خصومات تشعل غضب العملاء… بنك الخرطوم يبرر اقتطاعات حسابات تطبيق بنكك

خصومات تشعل غضب العملاء… بنك الخرطوم يبرر اقتطاعات حسابات تطبيق بنكك
حين تتراجع الثقة في المؤسسات المالية، لا يعود الخلاف حول رسوم مصرفية مسألة تقنية، بل يصبح اختبارًا لمدى قدرة النظام المصرفي على الحفاظ على شرعيته في أعين الجمهور.
وما شهدته الخرطوم مؤخرًا من جدل واسع حول اقتطاعات غير معلنة من حسابات العملاء يكشف هشاشة العلاقة بين البنوك والمودعين في اقتصاد يمر بمرحلة اضطراب عميق.
ففي خطوة فاجأت آلاف المستخدمين، لاحظ عملاء بنك الخرطوم خصم مبالغ مالية من حساباتهم دون إشعار مسبق. ومع انتشار الشكاوى على منصات التواصل الاجتماعي، وجد البنك نفسه أمام موجة غضب غير مسبوقة، دفعت إدارته إلى إصدار بيان مقتضب يوضح أن الخصومات تمثل “المساهمة السنوية لصندوق ضمان الودائع” للحسابات الاستثمارية. غير أن هذا التوضيح، الذي جاء بعد وقوع الخصم لا قبله، لم ينجح في تهدئة السخط الشعبي، بل زاد من حدة الانتقادات التي رأت في الخطوة تجاوزًا لمبادئ الشفافية المصرفية.
ويشير كثير من العملاء إلى أن المشكلة لا تكمن في قيمة المبلغ المقتطع، بل في غياب الإخطار المسبق، وهو ما اعتبروه انتهاكًا لحقوق المودعين وتجاوزًا للعقود التي تربطهم بالمصرف. بعضهم ذهب أبعد من ذلك، واصفًا ما حدث بأنه “استيلاء على الأموال”، بينما أعلن آخرون نيتهم اللجوء إلى القضاء، في سابقة تعكس تراجع الثقة في القطاع المصرفي خلال السنوات الأخيرة.
هذا الجدل لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي الأوسع. فالحرب الممتدة منذ 2023 أضعفت قدرة البنوك على العمل بكفاءة، ودفعت المواطنين إلى الاعتماد المتزايد على التطبيقات المصرفية في ظل تراجع الخدمات التقليدية. وفي بيئة تتسم بارتفاع التضخم وتآكل الدخول، يصبح أي خصم غير متوقع عبئًا إضافيًا على الأسر، ويثير حساسية عالية تجاه أي خطوة قد تُفسَّر على أنها استغلال أو سوء إدارة.
ويرى مراقبون أن القضية تفتح نقاشًا أوسع حول الإطار التنظيمي للقطاع المصرفي، ودور الجهات الرقابية في ضمان التزام البنوك بقواعد الإفصاح والشفافية. فغياب الإخطار المسبق لا يثير فقط أسئلة قانونية، بل يعكس أيضًا ضعفًا في آليات الحوكمة الداخلية، في وقت تحتاج فيه المؤسسات المالية إلى تعزيز ثقة الجمهور لا تقويضها.
ومع استمرار تصاعد ردود الفعل، تتجه الأنظار نحو بنك السودان المركزي، الذي يُتوقع منه تقديم تفسير واضح حول مدى قانونية هذه الاقتطاعات، وما إذا كانت المصارف مخولة بفرض رسوم أو مساهمات دون موافقة صريحة من العملاء. فالمسألة تتجاوز حادثة معزولة، وتمس جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسة المالية في بلد يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية ونقدية.
وفي المحصلة، تكشف هذه الأزمة الصغيرة في ظاهرها عن تحدٍ أكبر يواجه النظام المصرفي السوداني: كيف يمكن استعادة الثقة في مؤسسات تعمل في بيئة مضطربة، بينما تتزايد حاجة المواطنين إلى خدمات مالية مستقرة وشفافة. وإذا لم تُعالج هذه الإشكالات بوضوح وإصلاح مؤسسي، فقد تتحول الحادثة إلى مؤشر على أزمة ثقة أعمق، يصعب على القطاع تجاوزها في المدى القريب.



