قرار عاجل حول تمثال البرهان في امدرمان عقب الجدل في السودان

قرار عاجل حول تمثال البرهان في امدرمان عقب الجدل في السودان
في مشهد يعكس التوترات الاجتماعية والثقافية داخل السودان، أقدمت السلطات الحكومية صباح الأحد على إزالة تمثال يرمز للجندي العائد من جبهة القتال بعد ساعات قليلة من وضعه في شارع النيل بمدينة أم درمان، وذلك عقب تصاعد الجدل على منصات التواصل الاجتماعي حول دلالاته وتوقيته.
وضع التمثال
التمثال الذي أُقيم يوم السبت 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لم تعلن أي جهة رسمية مسؤوليتها عن وضعه، حيث ظهر مجموعة من المواطنين وهم يساعدون على إنزال المجسم التعبيري من شاحنة ووضعه على جانب الشارع الرئيسي. التمثال جسّد جندياً يرتدي بزة عسكرية وهو يحتضن امرأة، في مشهد أثار نقاشاً واسعاً داخل السودان، بعدما بدت صور النصب وكأنها تجسد لقطة زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان لمعسكر نازحي الفاشر بمدينة الدبة، وهي الزيارة التي شكلت حينها حدثاً بارزاً في الإعلام والمجتمع.
ردود فعل
الفنانون والتشكيليون والناشطون في مجال السلام انتقدوا خلو المدن السودانية من التماثيل والمجسمات التذكارية التي ترمز للشخصيات الوطنية والسياسية والعسكرية وشهداء الثورات الشعبية. غير أن التمثال الجديد أثار جدلاً واسعاً، إذ اعتبر كثير من المعلقين عبر منصات التواصل الاجتماعي أن إقامة نصب تذكاري في وقت لا تزال فيه المعارك مشتعلة وملايين المواطنين مشرّدين وقطاعات واسعة تكافح للبقاء، يعكس انفصالاً عن الواقع واستهانة بمعاناة الشارع. منتقدون أشاروا إلى أن الأموال التي صُرفت على المشروع كان من الأولى أن تُوجّه لدعم أسر فقدت أبناءها في القتال أو لمساعدة نازحين يفتقرون للغذاء والمأوى، فيما رأى آخرون أن الاحتفاء في هذا التوقيت يمثل رسالة خاطئة تزيد من حالة الاحتقان الشعبي.
إزالة مفاجئة
صباح الأحد 23 تشرين الثاني/نوفمبر فوجئ مواطنو أم درمان، خاصة القاطنين بالقرب من شارع النيل، بإزالة التمثال بواسطة الأجهزة الحكومية. السلطات لم توضح أسباب الإزالة، ما زاد من حدة الجدل على شبكات التواصل الاجتماعي حول التطورات المتسارعة في العاصمة الخرطوم بشأن هذا المجسم التعبيري. غياب التوضيح الرسمي فتح الباب أمام مزيد من التكهنات والنقاشات حول خلفيات القرار.
خلفية تاريخية
السودان شهد في الأعوام الماضية حوادث رفض وتحطيم للمجسمات والتماثيل خلال الحراك السلمي لثورة ديسمبر، حيث اعتبرها بعض السكان محرمة دينياً. ففي العام 2020 رفض سكان في أم درمان إنشاء مجسم تعبيري للثائر عبد العظيم أبو بكر، الذي قُتل برصاص قوات الأمن في كانون الثاني/يناير 2019 أثناء احتجاجات الثورة، بحجة أن المجسم يرمز إلى التماثيل. كما حطّم مجهولون نصباً تذكارياً في ساحة الحرية بمدينة الأبيض في أيلول/سبتمبر 2021 صممه فنانون لترميز ثورة ديسمبر في المدينة الواقعة بإقليم كردفان، التي شهدت حراكاً سلمياً واسعاً.
تعليقات سياسية
في خضم الجدل الدائر، علّق الناشط السياسي يوسف عمار أبو سن على حسابه في “فيسبوك” قائلاً إن بعض الإسلاميين انزعجوا من فكرة المجسم التعبيري بشكل غير مبرر، مضيفاً أن بعضهم انتفض ضد التمثال بصورة مبالغ فيها بدلاً من مناقشته ضمن الإطار الفني والقيمة الاجتماعية لتمثال “الجندي العائد”. هذه التعليقات أضافت بعداً جديداً للنقاش، حيث انقسمت الآراء بين من يرى في التمثال عملاً فنياً ذا قيمة رمزية، ومن يعتبره خطوة غير مناسبة في ظل الظروف الراهنة.
جدل مستمر
إقامة التمثال ثم إزالته السريعة أعادت إلى السطح النقاش حول دور الفن والمجسمات التذكارية في السودان، خاصة في ظل الحرب المستمرة والأوضاع الإنسانية الصعبة. وبينما يرى البعض أن الفن يجب أن يعكس معاناة الناس ويخلد تضحياتهم، يعتبر آخرون أن الأولوية يجب أن تكون لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين. الجدل الذي أثاره “تمثال الجندي العائد” يعكس الانقسام العميق في المجتمع السوداني بين الرغبة في التعبير الفني وبين ضغوط الواقع القاسي.



