خطة أميركية جديدة من 5 محاور ودعم بريطاني لوقف حرب السودان بينها انسحابات متبادلة

خطة أميركية جديدة من 5 محاور ودعم بريطاني لوقف حرب السودان بينها انسحابات متبادلة
يبدو أن المقترح الأميركي الجديد لوقف إطلاق النار في السودان يعكس لحظة فارقة في مسار الحرب، ليس فقط لأنه يطرح ترتيبات ميدانية غير مسبوقة، بل لأنه يكشف حجم الضغوط الدولية المتزايدة على طرفي النزاع للقبول بتسوية تُنهي واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة. ويأتي هذا التحرك في وقت تتراجع فيه الأوضاع الإنسانية على نحو خطير، بينما تتسابق القوى الإقليمية والدولية لاحتواء صراع باتت تداعياته تتجاوز حدود السودان.
فبحسب مصدر مطلع على المفاوضات، يتضمن المقترح انسحابًا متزامنًا للقوات من المدن الرئيسية، بحيث تغادر قوات الدعم السريع سبع مناطق محورية في جنوب كردفان ومحيط الأبيض، مقابل خروج الجيش السوداني من الخرطوم. ويشير هذا الطرح إلى محاولة إعادة رسم خريطة السيطرة بما يسمح بفتح ممرات إنسانية، ويقلل من الاحتكاك المباشر بين الطرفين. ويقول المصدر إن واشنطن مارست ضغوطًا أكبر من أي وقت مضى على الدول المؤثرة في الملف السوداني، في محاولة لدفع الأطراف نحو قبول هدنة قابلة للتنفيذ.
وتكشف التفاصيل أن الجيش أبدى موافقة مبدئية على الانسحاب من العاصمة، لكنه اشترط بقاء الشرطة وجهاز المخابرات لتأمين المدينة، في خطوة تعكس حرصه على الاحتفاظ بقدر من السيطرة الأمنية. وفي المقابل، وافقت قوات الدعم السريع على الانسحاب من جنوب كردفان، لكنها تحفظت على مغادرة منطقة بارا ومحيط الأبيض، ما يشير إلى أن بعض المناطق ما تزال تُعد أوراق ضغط تفاوضية. ويؤكد المصدر أن الحوار ما يزال مستمرًا، وأن الوصول إلى توافق كامل يتطلب معالجة هذه النقاط العالقة.
وتتضمن الخطة آلية أممية لمراقبة وقف إطلاق النار، عبر لجنة خبراء تشرف على الانسحابات وتأمين طرق إيصال المساعدات، في محاولة لمعالجة الانهيار الإنساني الذي تفاقم خلال الأشهر الماضية. وتلعب بريطانيا دورًا محوريًا في هذا المسار، إذ تعهدت — وفق المصدر — بالضغط على مجلس الأمن لاعتماد الهدنة وتشكيل اللجنة الأممية، مستفيدة من رئاستها الدورية للمجلس.
وفي واشنطن، عقدت وزارة الخارجية الأميركية امس الاربعاء جلسة دولية موسعة شارك فيها مسؤولون من الولايات المتحدة والسعودية والأمم المتحدة ودول عربية وإفريقية وأوروبية، في مؤشر على اتساع دائرة الاهتمام الدولي. وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، إن الرباعية أمضت ثلاثة أشهر في إعداد خطة سلام متكاملة تقوم على خمسة محاور: الجانب الإنساني، حماية المدنيين، وقف إطلاق النار، إطلاق عملية سياسية تقود إلى حكومة مدنية، وإعادة الإعمار عبر صندوق مخصص لذلك.
وأوضح بولس أن الآلية الأممية لسحب القوات من المدن أصبحت جاهزة، وأن الخطة ستُرفع إلى مجلس الأمن بعد الحصول على موافقة الأطراف السودانية. وحذّر من أن استمرار النزاع يحمل مخاطر إقليمية، مشيرًا إلى أن «الحل العسكري غير ممكن»، وأن الحفاظ على الزخم الدولي ضروري لتحقيق تقدم ملموس. كما أكد أن التواصل مع قوات الدعم السريع مستمر، وأنها أبدت استعدادًا للتعاون في تنفيذ الآلية الإنسانية، خصوصًا في مدينة الفاشر.
وفي تصريحات لاحقة، قال بولس إن مؤتمر صندوق السودان الإنساني كان «ناجحًا بكل المقاييس»، مشيرًا إلى تعهد الإمارات بمبلغ 500 مليون دولار، وهو ما اعتبره دعمًا مهمًا للمسار الإنساني. وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دخل شخصيًا على خط الأزمة، ما منح الجهود الدبلوماسية «زخمًا كبيرًا» في الأسابيع الأخيرة.
وتكشف هذه التطورات عن لحظة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الدولية، بينما يظل المدنيون في قلب المعاناة اليومية. فالمقترح الأميركي، رغم تعقيداته، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحرب لم يعد خيارًا قابلًا للاستدامة، وأن أي تسوية مقبلة يجب أن تضع حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية في صدارة الأولويات. ومع اقتراب شهر رمضان، تبدو الآمال معلّقة على قدرة الأطراف على تجاوز حساباتها الضيقة، والقبول بخطوات قد تشكل بداية مسار أطول نحو سلام لا يزال بعيدًا، لكنه لم يعد مستحيلًا.



